قَيِّمَةٌ هي الكتب التي تدفعك لقراءتها مرارا و تكرارا فتزداد في كل مرة من معينها الفكري اغترافا، تلك التي تلاحقك أفكارها حتى ترقدها بسالم في سطور تختزل القليل القليل من روعتها. و لعل ”شروط النهضة“ لمالك بن نبي واحد من هذه الكتب. كتاب ترك بصمته في الفكر الاسلامي المعاصر، واضعا أساسيات تقوم عليها نهضة الشعوب العربية و منظرا لأطروحة بناءة فيها من الصلاح للأمة الإسلامية القسط الوفير و لك أن تلقي نظرة على الوزن الفكري الذي يحظى به الكاتب حتى تستشعر عظمة هذا الكتاب: مالك بن نبي - ابن خلدون العصر الحديث بشهادة نخبة من الدارسين للفكر الاسلامي- مفكر جزائري مبدع، و صاحب نظرية عميقة في البناء الحضاري، كاتب امتلكت أفكاره مكونات القوة بتركيزها على القضايا الأساسية والمحورية في العالم الإسلامي؛ كمشكلة الحضارة، والنهضة، والثقافة، الاستعمار، والتبعية ؛ أبدع فيها، وطور بعض مفاهيمها بشكل يخلو من الحساسيات الطائفية و المذهبية فتمتعت بالانتشار والقبول. و قد خلف وراءه ثروة فكرية تزيد عن ثلاثين كتابا، من أبرزها ”الظاهرة القرآنية" و ” مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي“ و كتاب ” شروط النهضة ” الذي خصصنا له هذه الوقفة.

إن النظر في السياق التاريخي لكتاب ”شروط النهضة ” لكفيل بتوضيح جوهر الكتاب و المحفزات التي دفعت الكاتب إلى نسج أفكاره .فقد عاصر الكاتب وضع الانحطاط الذي كانت تعاني منه الجزائر إبان فترة استعمارها من طرف فرنسا، فاستشعر مسؤوليته كفرد جزائري مسلم في تشخيص الداء و اقتراح حل ناجع له، منطلقا من قناعته بأن المشكلة التي تعاني منها الشعوب العربية الاسلامية ذات طبيعة حضارية. و لما كان مؤمنا أن الحضارة ترتكز على ثلاث مكونات رئيسية : الانسان و التراب و الوقت، فقد اعتبر أن تشخيص الوضع على مستوى هذه المكونات من شأنه هدايتنا إلى كيفية بناء نهضتنا و حضارتنا المنشودة .

انطلق الكاتب قبل عرض أطروحته من توضيح العوامل التي ساهمت في تشكيل تاريخ أمتنا، حيث تحدث عن دور الأبطال الماديين (أبطال المقاومة الجزائرية مثلا )، و الذي لا نملك إزاءه إلا الوقوف احتراما، غير أنه يبقى محدودا في غياب عنصر الفكرة، بالإضافة إلى دور الأبطال الروحيين حاملي الأفكار و الذي بدوره لم و لن يؤتي أكله في ظل النوم العميق الذي تغط فيه الشعوب العربية، ليستنتج أن تصنيع الحضارة و استمرار الشعوب رهين بتكاثف جهود كل من الأبطال الروحيين و الماديين و قتالهم من أجل الفكرة و بمساندتها. لم يغفل الكاتب كذلك عن دور الكلمة باعتبارها الحاملة للفكرة و سلاحها ما لم تتدخل السياسة الانتهازية لتحرف هذه الأفكار عن أهدافها الحقيقية، و تجرد تلك الكلمة من قدسيتها بإخراجها على شكل خطاب سياسي و وعود زائفة يشهد التاريخ إفشالها لجل الجهود الإصلاحية إن لم نقل كلها.

كما نقد مالك بن نبي الأطروحات السائدة في عصره و التي حاولت بدورها مقاربة موضوع نهضة الإنسان العربي في ظل الاستعمار، و هي أطروحات ” وثنية“ ركزت على فكرة مصبها أن التحرر من الاستعمار و السير في طريق النهضة و الإصلاح لا بد أن يكون عن طريق الآخر و السعي أو المطالبة بما لديه : فأما المقاربة الأولى فتقوم على الانتماء للزوايا و تبنى رداء الدروشة إيمانا بكرامات الشيخ المربي و مقدرته على تحرير المسلم العربي، ليس فقط من الاستعمار، بل من نفسه كذلك فيعيش سعادة الدنيا و الاخرة، و يكفي لذلك التماس البركات و اقتناء الحروز، و أما المقاربة الثانية فقد ولت وجهها شطر السراب السياسي لتحيك فصول دروشة جديدة، بسعيها وراء التغيير و الاصلاح عن طريق المطالبة بما لدى الآخرين، رافعة شعارات من قبيل ”إن الحقوق تؤخذ و لا تعطى"... فتحولت الحروز والتمائم إلى أوراق انتخابية و إلى حقوق وأماني يتنغم بها الخيال و لا تحظى من الواقعية بشيء. في ظل هذه الظروف يشبه مالك العالم الإسلامي بمريض لا يدري داءه، فهو ينتقل من طبيب لآخر، يعالجه السياسي بما ظهر من أعراض أمراضه السياسية والفقيه بما ظهر من أعراض أمراضه العقائدية، و يترنح من دواء لآخر، يتعاطى حبة هنا ضد الجهل وقرصا هناك ضد الاستعمار ويتناول عقارا يشفي من الفقر، ولكن لا خيط ناظم يذهب إلى أصل الأدواء بل هو مجرد « تكديس » لحلول و منتجات حضارية مستوردة من مبعث الداء نفسه : المستعمر الغربي. و شتان بين « التكديس » و« البناء ».

أما إن أراد العالم الإسلامي بناء صرح حضاري متين فوجب عليه حسب مالك بن نبي أن يرجع إلى تلك الصيغة التحليلية الخاصة التي تجمع العناصر الثالث الأساسية لذلك، و قد عبر عليها كالتالي: ناتج حضاري = إنسان+ تراب+ وقت. يضيف ابن نبي مؤكدا أن تكديس هذه المتفاعلات بشكل اعتباطي غير كاف لحدوث التفاعل في الاتجاه الصحيح المراد، بل لابد من حل المشكلات الخاصة بكل مكون و إدخاله بالكيفية و المقدار الذي يخدم الهدف. و في حالنا فإن الأمر يتطلب تدخل مركَّب رابع « حفاز » من شأنه التأثير في مزج العناصر الثلاثة. إن هذا المركب ليس سوى الفكرة الدينية التي رافقت تركيب كل الحضارات خلال التاريخ . يبدأ الكاتب بعد ذلك في تحليل كل مكون على حدة مستهلا بالإنسان، فقد اقتضت سنة الله في الكون أن يبدأ كل مشروع إصلاحي بتغييره أولا قال تعالى: « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ». فأي فرد مسلم ارتضى التغيير و اتخذ الفكرة الدينية محركا له ليس عليه من أجل الاسهام في بناء حضارته سوى أن يوجه العوامل التي يؤثر بها على مجتمعه، و يوجه ثقافته : يصفي ما علق من عهد الخمول بعاداته و يضفي ما ينبغي استحداثه للسير في مرحلة جديدة، مرحلة النهضة و بعث الحضارة. وبعد الحديث عن الإنسان، ينتقل مالك إلى مشكلة التراب فيرثي حال أرض الأمة التي ينقصها التصحر من أطرافها و يلتهم خضرتها. ثم بعد ذلك يتحدث عن العنصر الثالث و هو الوقت، الذي يشترك الناس في حظهم منه كما و يتباينون كيفا, فوَجَبَ أن يتعلم الشعب العربي الإسلامي قيمة هذا العنصر إذ هو المحدد لمعنى التأثير و الإنتاج. و في الفصل الأخير من الكتاب يؤكد مالك أن للإنسان قيمتان : قيمة خام طبيعية لا سلطان لأحد عليها، و قيمة خارجية اجتماعية تشكل بيئة تحوي من العراقيل ما قد لا يتيح لمواهب الإنسان أن تأخذ مجراها الطبيعي نحو النبوغ. لكن إذا انصلحت القيمة الأولى انصلحت الثانية تدريجيا، و تكاثف عمل الأفراد على أنفسهم وسلوكهم كفيل بذلك.

و أخيرا إن « شروط النهضة » من خيرة الكتب التي أمعنت الحفر حول مشكلات التخلف المزمنة متجاوزة الظواهر الطافية على السطوح إلى الجذور المتغلغلة في الأعماق، وباحثة عن السنن والقوانين الكفيلة بتحول الشعوب من حالة العجز إلى القدرة و الفعالية، و من الانشغال بحل مشكلة الاستعمار إلى معالجة مرض القابلية للاستعمار أولا، و من حالة تكديس الأشياء إلى بنائها، ومن المطالبة بالحقوق إلى القيام بالواجبات قبلا والانتقال من عالم الأشياء والأشخاص إلى عالم الأفكار التي بها نبدأ بحل مشكلة التخلف لنصل إلى قناعة حتمية بأن مفاتيح حل جميع المشكلات هي في الذات لا عند الآخر.
Résultat de recherche d'images pour "‫مالك بن نبي‬‎"
التالي
رسالة أحدث
السابق
هذا هو أقدم مقال