يعتبـــر البحـــث العلمي ســـبيلا لنهضة أي أمـــة و رقيهـــا، لذا كان لزاما على أي دولة تريـــد التموقع في مصاف الـــدول المتقدمـــة الاهتمام بمجال البحث العلمـــي اهتماما كبيرا وبذل الغالي و النفيـــس لتطويره. في هذا الملف نســـتعرض وضعية البحث العلمـــي في المغرب، ومـــا يعاني من مشاكل وأســـباب التعثر الذي يعرفه وكـــذا مقترحات حلـــول للنهوض به.

تشخيص الوضعية الحالية:

صنفـــت منظمة الأمـــم المتحدة للتربيـــة و العلـــوم والثقافـــة المغرب ضمـــن الـــدول الأقـــل إنفاقـــا علـــى البحـــث العلمي، وكشـــفت أن المغرب لا يخصـــص ســـوى 0,7 فـــي المائـــة مـــن ناتجـــه الداخلـــي الخـــام وهي نســـبة هزيلة جدا بمقاييـــس المعايير الدوليـــة، إذ تعتبر معاييـــر المنظمات الدولية مثـــل البنك الدولـــي ومنظمة الأمـــم المتحـــدة أن نســـبة الإنفـــاق المثالـــي هي التـــي تكون أكثـــر مـــن 2 فـــي المائة وتكـــون جيـــدة اذا كانت بيـــن 1,6 و2 فـــي المائة، وهـــذا حـــال دول مثـــل اليابان و أمريـــكا و ألمانيا والكيـــان الصهيونـــي. و نضيـــف إلـــى ذلـــك أن الناتـــج الداخلـــي الخـــام لبلادنا ضعيـــف بالمقارنة بهاتـــه الـــدول بحيـــث لا يتجاوز 110 مليار دولار، وبالتالـــي فميزانية البحث لا تتجـــاوز مليـــار دولار. وحســـب التقريـــر ذاتـــه، فحصـــة الأبحـــاث لـــكل مليـــون مواطـــن تعتبـــر هزيلة جـــدا، اذ لا تتجاوز 856 بحثا علميا لـــكل مليـــون مواطن. أما علـــى مســـتوى ترتيب الجامعـــات، تحتل الجامعـــات المغربية التي مـــن المفترض أن تكـــون حاضنـــة للبحـــث العلمـــي مراتـــب متأخـــرة جدا، حيـــث تحتل أول جامعـــة مغربيـــة المرتبـــة 1994 عالميا وهـــي جامعـــة القاضي عيـــاض أما على المســـتوى العربـــي فالوضع ليس أحســـن حالا فنفـــس الجامعة تحتـــل المرتبة 28 ، مما يعطـــي انطباعا بـــأن المغرب يوجد خـــارج الخريطـــة العلميـــة دوليا. 

أسباب تخلف البحث العلمي:

تتبايـــن الأســـباب الكامنـــة وراء ضعـــف البحـــث العلمي فـــي المغـــرب، نذكـــر أولا ضعف الإنفـــاق وضعف البنية التحتيـــة، فصلنا فـــي الفقرة الســـابقة فيمـــا يخص ضعف الإنفاق فـــي ميـــدان البحث العلمي، هـــذا الضعف أدى الى نقص التجهيـــزات و المعدات اللازمـــة للباحثيـــن للمضـــي فـــي أبحاثهـــم خصوصا في المجالات التقنيـــة كالفيزياء و الكيميـــاء و الهندســـة... كل هذا يـــؤذي إلى ضعـــف همة الباحثيـــن و العلمـــاء وضمور طموحاتهـــم وهـــو مـــا يعود بنتائج ســـلبية علـــى البلاد. ثانيـــا اســـتعمال اللغـــة الفرنســـية، بعـــد قرابـــة نصف قـــرن من الاســـتعمار الفرنســـي، نـــال المغـــرب اســـتقلاله ســـنة 1956 و لكـــن للأســـف ظل هذا الاســـتقلال منقوصا حيث شـــمل فقط الإجلاء العســـكري، بيد أن فرنســـا ظلـــت مهيمنة علـــى المغرب فـــي كثير مـــن المجالات مـــن بينهـــا الثقافـــة و التعليم، وهو ما يفســـر اســـتعمال اللغة الفرنســـية بشكل موسع رغـــم عـــدم دســـتورية هـــذا التوجه ، فالفرنســـية ليســـت لغة رســـمية في الدســـتور. لكن لماذا تعتبر الفرنســـية عائقا أمـــام تطـــور البحـــث العلمي؟ لا تعتبر الفرنســـية لغة العلـــم اليوم، لغـــة العلم اليوم هي اللغـــة الانجليزية حيـــث يبلغ الإنتـــاج العلمي بها ما يقـــرب 80 فـــي المائة من مجمـــوع الإنتاج العلمـــي فـــي العالـــم. هذا الرقـــم يوضـــح لنا مدى ضعف الفرنســـية على المســـتوى العلمي، و يوضح أيضـــا مـــدى عزلتنا عـــن التحـــولات العلمية. وأخيـــرا التبعيـــة للغـــرب، فمـــن رموز اســـتقلالية الدولـــة هـــو وجـــود صناعـــة وطنية قويـــة تدفع قاطـــرة الاقتصاد. هـــذه الصناعة لا تتــــأسس بين عشـــية و ضحاهـــا بـــل مـــن خـــلال سلســـلة من المراحـــل أهمهـــا: خلـــق إرادة وطنيـــة للتوجـــه للتصنيـــع و تفعيـــل دور البحـــث العلمـــي، و أخيرا جنـــي ثمـــار هـــذه السياســـة بظهـــور الشـــركات الصناعيـــة الوطنية . أمـــا الدول التابعـــة خصوصا تلك التـــي تدور فـــي الفلـــك الغربي، فهـــي تعتمد على اســـتهلاك التكنولوجية الغربيـــة دون إنتاج أي شـــيء. و المغرب ليس اســـتثناء من هـــذه القاعدة، فهو يســـتورد الحواســـيب و الهواتف و المحركات و حتـــى الســـلاح مـــن دول كالولايـــات المتحدة و اليابان و فرنســـا، ممـــا يجعل البحث العلمي شـــبه معطـــل فـــي بلادنا.

الحلول:

ينتـــج عـــن التمحيص في أســـباب مشـــكلة البحـــث العلمـــي الســـابقة الذكر الاهتـــداء للحلول الآتيـــة، أولها زيـــادة الإنفاق، أول ما يتبـــادر للذهن عنـــد الحديث عن حلـــول لمعضلة البحـــث العلمي بالمغـــرب، هـــو زيادة الإنفـــاق على المجال أســـوة بالـــدول المتقدمـــة، كالســـويد و أمريـــكا و كوريا الجنوبيـــة...و هذا لا يتأتـــى إلا باجتياز حاجز 2 في المائة مـــن الناتج المحلـــي الإجمالـــي أي مضاعفة ميزانيـــة البحث العلمـــي ثلاث مرات علـــى الأقل، لنكـــون في المعاييـــر العالميـــة التـــي ذكرناها في بدايـــة المقال. ثانيـــا اعتمـــاد اللغة العربيـــة بشـــكل كامل مع انفتـــاح جزئي علـــى الإنجليزية، إذ عرقـــل اعتماد اللغـــة الفرنســـية على مـــدى عقود مســـار إصلاح منظومـــة التعليم عمومـــا و البحث العلمي بشـــكل خـــاص، فـــالازدواج اللغـــوي يشـــكل عائقـــا أمام التطـــور العلمـــي و التكنولوجي. من هنا نســـتنتج أن اعتمـــاد اللغـــة العربيـــة أصبح أمـــرا لا مفر منه، سيســـاهم في توقف الفوضـــى اللغوية في المغرب. لكـــن الاعتمـــاد على العربيـــة لا يعنـــي الاكتفاء بما أنتـــج بالعربيـــة، بل يجـــب تقوية عمليـــة الترجمة من اللغـــات الأخـــرى و خاصة مـــن الانجليزية إلى العربيـــة، كـــي تصـــل المعـــارف و التكنولوجيـــات الحديثـــة إلـــى المغـــرب في أســـرع وقـــت ممكن. فعلى ســـبيل المثال، اليابان و ألمانيـــا، إحدى أقوى الدول علـــى المســـتوى الصناعي، لا يصـــدر كتاب قيم فـــي العالم حتـــى يكـــون مترجما إلـــى اللغة اليابانيـــة و الالمانية بعد أقل من ســـتة أشـــهر على أكثـــر تقدير. ثالثـــا الاعتنـــاء بالباحثيـــن والعلمـــاء، يعتبـــر الباحثـــون الحلقـــة الأهم فـــي مسلســـل النهوض بالبحـــث العلمـــي، لذا وجـــب الاعتناء بهـــم معنويا عن طريق تشـــجيعهم على العطـــاء و ماديا بتوفير الظـــروف الملائمة لهم للإبـــداع و الابتكار و توفير الحوافـــز الماديـــة العالية لتشـــجيعهم، وكذا توفير البنيـــات التحتية اللازمة للأعمـــال المرتبطة بالبحث العلمي. وأخيـــرا توجيه البحث العلمـــي، فالعنصر الأخير فـــي الحلـــول المقترحة هـــو الحكامة فـــي البحث العلمـــي ، وهذا يعنـــي وضع استراتيجية متكاملة طويلـــة الأمـــد للنهـــوض بالبحث العلمـــي، تتضمن المجـــالات الحيويـــة التـــي ســـيتركز فيهـــا الجهد العلمي بشـــكل كبير و الأهـــداف المتوخاة تحقيقها في كل مجـــال، إضافة إلـــى تحديد المـــوارد التي ســـترصد و كذا المـــدة الزمنية اللازمـــة لذلك.

نخلـــص من كل ما ســـبق أن تطويـــر البحث العلمي لا يحتـــاج إلـــى عصـــى ســـحرية، بل يحتـــاج الى إرادة قويـــة على كل المســـتويات ، تدفع في اتجاه الإصـــلاح و البناء.
Close-up of Microscope