ماذا لو عرضنا شـــريط حياتك الدراســـية في يوم تخرجك؟ بعد أن غدت شـــهادة الباكالوريا بين يديك، اخترت مســـيرتك الجامعيـــة، بدأتهـــا باجتيـــازك لســـنتين حافلتيـــن بالأقســـام التحضيريـــة أو ثـــلاث بالجامعـــة، ثـــم ثلاث أخـــرى تبعتهـــا فـــي المـــدارس العليـــا للهندســـة, خمـــس أو ســـت ســـنوات مضـــت فـــي تلقيـــك للـــدروس و اجتياز الاختبـــارات، لتقـــف لوهلـــة هنـــا و تتذكر اختبار الاســـتخلاف الدنيوي الذي لا تـــزال بصدد اجتيازه، قال تعالى "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً “, فهل كان ضمن أولوياتك خلال السنوات الخمس, أم أن دفاتـــرك و كتبـــك الدراســـية قـــد اســـتحوذت علـــى مركزه و أخبـــت أهميته؟ 

ينتـــج عـــن التمعـــن فـــي جوهـــر و كينونـــة الطالب المهندس الإنســـانية، و تســـليط الضوء علـــى الغاية العظمى مـــن خلقـــه و مقارنتهـــا بواقعـــه المعـــاش، لمـــس الافتقـــار الواضـــح للجانـــب الروحـــي الإيمانـــي فـــي حياتـــه، اذ أن المنهـــج الدراســـي المعتمـــد رغـــم كثافتـــه يغيـــب فيه تكوين الطالب في هذا الجانب، و الفوهة تكبر إن لم تجـــد مـــن يحـــد من اتســـاعها، لذا وجب علـــى الطالب المهنـــدس جهـــاد نفســـه لتعويـــض النقـــص الإيمانـــي الذي ألم بروحه, ليحمل بذلك صفة الرســـالية مقرونة بطالـــب العلـــم. يبـــدأ ذلـــك بخطـــوة تتبعهـــا الأخـــرى، و هكذا، صاعدا باتزان و ثبات على ســـلم الدعوة الذي يتربع أشـــرف المرســـلين عليه أزكى الصلاة و التسليم أعلاه.

يبـــدأ تكويـــن الطالـــب روحيـــا باعتبـــار نفســـه مشـــروع مهنـــدس داعيـــة لله ســـبحانه و تعالـــى، مهمـــة تســـتلزم عظمتهـــا جهـــده و عملـــه المخلص لأدائهـــا كما يحب الله و يرضـــى. يســـتهل انجـــاز مشـــروع الرســـالية مـــن ذات الشـــخص التـــي يجـــب الحـــرص علـــى تكوينهـــا عقديـــا و فقهيـــا و أخلاقيـــا و فكريـــا و مهاراتيـــا و كـــذا اقتصاديـــا، يقتضـــي كل فصـــل إرادة قويـــة و عزيمـــة أقـــوى لتحقيقـــه، فميـــزة الطالـــب لا يمكـــن أن تقـــرن بالرســـالية إن لـــم يعزز هـــذا الأخير يقينه بالله و ثباته علـــى الملـــة, ناهيـــك عـــن كثـــرة العواصـــف و التيارات التـــي لا جـــرم مـــن مواجهتهـــا و التي قـــد تزعزع ايمان الشـــخص مالم يكن مبنيا على أســـس صلبة لا تتأثر بهـــا، لـــذا يتحتـــم علـــى الطالـــب أن يقوي بنيـــة إيمانه بالتفطـــن إلى الأســـس العقلية التي تمنـــع انهياره. يأتي بعـــد ذلـــك جمـــع المؤونـــة و ذلـــك بالعمـــل علـــى الالمـــام بأحـــكام الشـــريعة التـــي تعتبـــر الجســـر الـــذي باجتيـــازه يصـــل إلـــى التأثير في محيطـــه، و ككل المشـــاريع، يقتضـــي الســـير الجيـــد لمشروع الطالب الرسالي أيضا حمله لجملة من القيم الاخلاقيـــة التـــي تمكنه من اتخاذ القـــرارات الصحيحة و الاســـتقامة على النهج الإســـلامي المبارك المقتدى مـــن هـــدى الأمـــة ســـيد الخلـــق محمـــد صلـــى هللا عليه و سلم.

و كأمـــر لا منـــاص منـــه، تضـــع تحديـــات العصر و وثيرة تطوره السريعة الطالب في دوامة بنيت أسوارها مـــن تلاحـــم ســـيل الأفـــكار المنتجـــة، ممـــا يســـتدعي منـــه تطويـــر حصيلتـــه الفكريـــة و التاريخيـــة و تقويتها كـــي لا يضيـــع وســـط الدوامـــة أو يصبـــح فريســـة أحـــد أفخاخها، و كذا إحكام ترابط سلسلة أفكاره و نسقيتها ليســـتطيع رؤيـــة جميـــع معالـــم هـــذه الدوامـــة ثم ينســـل منهـــا ليصـــل إلـــى مخرجهـــا. ثـــم إن للكلمـــة مكانتهـــا فـــي هـــذا التكويـــن، إذ أن أكثـــر مـــا يحتك بـــه الطالب بمحيطـــه هـــو حواراتـــه، لذا يجب عليه كرســـالي اتقان مهـــارات الخطابـــة و الإلقـــاء، و صقل مهارات التأثير الايجابـــي فـــي محيطـــه المعـــاش، و تعزيـــز مهـــارات القياديـــة، فالرســـول صلـــى الله عليـــه و ســـلم كان قائدا تلمـــس كلمتـــه قلـــوب النـــاس قبـــل أن تصـــل آذانهـــم. كمـــا يتطلـــب انجاز أي مشـــروع دراســـة جانبـــه المالي الاقتصـــادي, لـــذا فمما يميز الطالب الرســـالي معرفته لأســـاليب التدبيـــر الاقتصـــادي للمشـــاريع و احاطتـــه بمهـــارات التخطيط.

يمكـــن اســـتخلاص اللبنـــة الأساســـية من كل ما ســـبق ذكـــره, فليـــس مـــن الصعـــب استشـــعار ثقـــل كتـــاب الله عـــز وجل و الســـنة النبوية فـــي كل مرحلة من مراحل تكويـــن الطالـــب الرســـالي، فهـــذا الأخيـــر مطالـــب بالحـــرص علـــى حمـــل كتـــاب الله و الاقتـــداء بهـــدي الســـنة كخطوة اولى في خط مشـــروع الدعوة الخاص بهـــا، امتثـــالا لحديـــث النبـــي صلـــى الله 
عليـــه وســـلم " بلغوا عني و لو آية". و الآن مـــاذا لـــو أعدنـــا عـــرض شـــريط حياتـــك الدراســـية كطالـــب رســـالي؟
Résultat de recherche d'images pour "etudiant"