كان البيت معتما، فقد أطفئت الأنوار و ساد السكون المكان، حتى القمر أبى أن يطل في تلكم الليلة، ربما كان في خصام مع الأرض، أو ربما... ماذا تفيد ربما هذه في هذا الوقت؟ فهو لن يأتي على أية حال. كان كل ما في البيت يبعث على الكآبة و التحسر، غابت الألوان فتغيب معها الأمل، من يره يزعم جنازة أهله ستشيد، لكن روحهم كانت تحتضر فعال، كانت تنتظر أشعة الشمس ليتسلل قبس نور من بين ستائر النوافذ التي لا تكاد تنزاح عنها، تنتظر شعاع شمس في وضح النهار، كمن يعيش ليله في بطن يومه، و يجعل منزله مقبرة يسكنها. 

أما حان الوقت لينفض الغبار؟ و ماذا عن طلاء جدران المنزل بالألوان؟ أترى ستسكن الأرواح و تطيب؟ أسئلة كانت جدران البيت الوهن تردد صداها مرارا دون كلل، حتى تعب من رددها فسكن. ذات يوم, استجمع أحد أهل البيت ما ادخر من قوى فقال "ماذا ترون في تطهير الروح و الشد بأيدي بعضنا لنقوى؟ " قال كلمته هذه و صمت، فصمت معه كل من استمع، كفت أجسادهم عن العمل، فتعطلت حواسهم، و اغتيلت ضمائرهم. 

تعم الزقاق بهجة لا مثيل لها, فأحد قاطنيه غير المرغوب فيهم قد انقطعت أخباره، لم يره أحد منذ زمن، احتفل الجيران بنجاح مخططاتهم،" احتفلوا بالسلام‘‘ الذي عم حيهم، لكن أمرا قد تغاضوا عنه أنهى انتشاءهم، فقد سكن البيت لكن ما تفرق أهله و ما انتهوا، طرق أحدهم الباب, فصدح البيت أي نعم, "جئنا لمداواتكم" , فتح الباب " هلموا مرحبا بكم" , فما غادر الجيران البيت حتى كان قد انقسم. 

ملأت الاحتفالات الأجواء من جديد، ليرقص هذه المرة بعض أفراد البيت على أنغام جيرانهم، غير أن صوتا كان يخترق موسيقاهم الصاخبة، لم يسمعه الا من خارت قواه داخل ذاك المسكن، صحب هذا الصوت نور أحمر، ثم دخان أسود، ليرى أهل البيت بيتهم مهدما. اكتملت هنا سمفونية الاحتفال حين اختلطت بعويل من احتمى بالبيت، بدأت المشاورات بين الجيران و من "أنقذه" رقصه من أهل البيت في اجتماع مستعجل، أمن حق البيت أن يرمم؟ أقيمت جنازة لمن قُصف , و استؤنس احتفال الحي من جديد. بدأ الجيران انسحابهم لمشاغلهم واحدا تلو الأخر، حتى وعى الراقصون علة بقائهم وحدهم وسط ساحة الحي، استداروا جهة بيتهم و قد غشيه ضباب كثيف، و ما فتئ أن ذكرهم بما مضى، بيت دمرت جدرانه و انتهكت حرمته، لكن الرقص قد أخذ منهم ما بقي من طاقتهم، لم يعد بمقدورهم ترميمه, أخذ الجيران ما أرادوا و انصرفوا، و عاد الأهل للبيت المهدم. رغم أن القبر قد ستر جثة من قضوا، فأسوار البيت شاهدة على ما جرى، كأنما تصرخ قائلة "شهدت رقص الأهل على خراب بيته ".